صديق الحسيني القنوجي البخاري
193
فتح البيان في مقاصد القرآن
قال سفيان : بلغنا أنها تدخل في دبره حتى تخرج من فيه . قال الكلبي : تسلك سلك الخيط في اللؤلؤ وقال سويد بن أبي نجيح : بلغني أن جميع أهل النار في تلك السلسلة ، قال ابن عباس : السلسلة تدخل في استه ثم تخرج من فيه ، ثم ينظمون فيها كما ينظم الجراد في العود ثم يشوى . وجملة إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ تعليل لما قبلها على طريق الاستئناف ، وذكر العظيم للإشعار بأنه هو المستحق للعظمة ، فمن لا يعظمه فقد استوجب ذلك . وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ أي لا يحث ولا يحرض نفسه على إطعامه من ماله أو لا يحث الغير على إطعامه ، ووضع الطعام موضع الإطعام كما يوضع العطاء موضع الإعطاء ، والإضافة للمفعول ، ويجوز أن يكون في الكلام حذف المضاف أي على بذل طعام المسكين والإضافة له لكونه مستحقة وآخذه فهي لأدنى ملابسة فالحض البعث والحث على الفعل والحرص على وقوعه ، ومنه حروف التحضيض المبوب له في النحو لأنه يطلب به وقوع الفعل وإيجاده . وفيه إشارة إلى أنه كان لا يؤمن بالبعث لأن الناس لا يطلبون على المساكين الجزاء فيما يطعمونهم ، وإنما يطعمونهم لوجه اللّه ورجاء الثواب في الآخرة فإذا لم يؤمن بالبعث لم يكن له ما يحمله على إطعامهم . وفي جعل هذا قرينا لترك الإيمان باللّه من الترغيب في التصدق على المساكين وسد فاقتهم وحث النفس والناس على ذلك ما يدل أبلغ دلالة ويفيد أكمل فائدة على أن منعهم من أعظم الجرائم وأشد المآثم ، وعن أبي الدرداء قال : « إن للّه سلسلة لم تزل تغلي منها مراجل النار منذ خلق اللّه جهنم إلى يوم تلقى في أعناق الناس ، وقد نجانا اللّه من نصفها بإيماننا باللّه العظيم ، فحضني على طعام المسكين يا أم الدرداء » أخرجه أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر . وقال الحسن أدركت أقواما يعزمون على أهليهم أن لا يردوا سائلا وكان بعضهم يأمر أهله بتكثير المرقة لأجل المساكين ويقول خلعنا نصف السلسلة بالإيمان أفلا نخلع النصف الثاني بالإطعام ، وقيل لعل وجه التخصيص لهذين الأمرين بالذكر أن أقبح العقائد الكفر باللّه تعالى ، وأشنع الرذائل البخل وقسوة القلب . [ سورة الحاقة ( 69 ) : الآيات 35 إلى 47 ] فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ ( 35 ) وَلا طَعامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ ( 36 ) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ ( 37 ) فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ ( 38 ) وَما لا تُبْصِرُونَ ( 39 ) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ( 40 ) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ ( 41 ) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ ( 42 ) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 43 ) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ( 44 ) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ( 45 ) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ( 46 ) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ ( 47 ) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا أي يوم القيامة في الآخرة حَمِيمٌ أي قريب ينفعه أو